الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

209

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

عمره " أجل " غير محتوم . والحال كذلك بالنسبة للإنسان ، فإذا توفرت جميع ظروف بقاءه وزالت جميع الموانع من طريق استمرار حياته ، فإن بنيته تضمن بقاءه مدة طويلة إلى حد معين ، ولكنه إذا تعرض لسوء التغذية ، أو ابتلى بنوع من الإدمان ، أو إذا انتحر ، أو أعدم لجريمة ومات قبل تلك المدة ، فإن موته في الحالة الأولى يكون أجلا محتوما ، وفي الحالة الثانية أجلا غير محتوم . وبعبارة أخرى : الأجل الحتمي يكون عندما ننظر إلى " مجموع العلل التامة " ، والأجل غير الحتمي يكون عندما ننظر إلى " المقتضيات " فقط . استنادا إلى هذين النوعين من الأجل يتضح لنا كثير من الأمور ، من ذلك مثلا ما نقرؤه في الروايات والأحاديث من أن صلة الرحم تطيل العمر ، وقطعها يقصر العمر ، وواضح أن العمر هنا هو الأجل غير الحتمي . أما قوله تعالى : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( 1 ) . فهو الأجل المحتوم ، أي أن الإنسان قد وصل إلى نهاية عمره ، وهو لا يشمل الموت غير المحتوم السابق لأوانه . ولكن علينا أن نعلم - على كل حال - أن الأجلين يعينهما الله ، الأول بصورة مطلقة ، والثاني بصورة معلقة أو مشروطة ، وهذا يشبه بالضبط قولنا : إن هذا السراج ينطفئ بعد عشرين ساعة بدون قيد ولا شرط ، ونقول إنه ينطفئ بعد ساعتين إذا هبت عليه ريح ، كذلك الأمر بالنسبة للإنسان والأقوام والملل ، فنقول : إن الله شاء أن يموت الشخص الفلاني أو أن تنقرض الأمة الفلانية بعد كذا من السنين ، ونقول إن هذه الأمة إذا سلكت طريق الظلم والنفاق والتفرقة والكسل والتهاون فإنها ستهلك في ثلث تلك المدة ، كلا الأجلين من الله ، الأول مطلق والآخر مقيد بشروط . جاء عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) تعقيبا على هذه الآية قوله : " هما أجلان : أجل محتوم وأجل موقوف " كما جاء عنه في أحاديث أخرى أن الأجل الموقوف قابل

--> 1 - الأعراف ، 34 .